في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1962، فتح اليمنيون صفحة جديدة في تاريخ بلدهم. كانت ثورة 26 سبتمبر تعبيرًا عن رفض واقع سياسي واجتماعي قائم على الاستبداد والتمييز، وعن تطلع اليمنيين إلى دولة تقوم على المواطنة والحرية والعدالة.
لم تكن سبتمبر مجرد تغيير في شكل السلطة، بل كانت فكرة أكبر من الأشخاص والأنظمة: أن الإنسان اليمني له حق في وطنه، وأن الحكم ليس امتيازًا لجماعة أو سلالة، وأن كرامة المواطن لا يجوز أن تكون رهينة للقوة والسلاح.
وبعد أكثر من ستة عقود، تبدو المفارقة مؤلمة. فما زال اليمن يعيش صراعًا على الدولة، وما زال المواطن العادي يدفع الثمن من أمنه وحريته ومستقبله. الاعتقالات، الاختطافات، التضييق على الحريات، تسييس مؤسسات الدولة، واستخدام القوة لإسكات الأصوات المخالفة، كلها ممارسات تتناقض مع جوهر الدولة التي حلم بها اليمنيون.
سبتمبر ليست ملكًا لأحد
من الخطأ اختزال 26 سبتمبر في حزب أو جماعة أو مرحلة سياسية محددة. الثورة أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية اليمنية، ومعناها الأساسي يتجاوز الخلافات السياسية.
فالاحتفاء بسبتمبر لا يعني تمجيد أشخاص، ولا إعفاء أي سلطة لاحقة من النقد والمحاسبة. المعيار الحقيقي لأي مشروع سياسي هو مدى احترامه للإنسان وحقوقه، وقدرته على بناء دولة تحمي المواطن بدل أن تخيفه.
ولهذا فإن الدفاع عن معنى سبتمبر اليوم هو الدفاع عن حق اليمني في أن يعيش دون خوف، وأن يعبر عن رأيه دون أن يدفع ثمنًا بسبب موقفه، وأن يحصل على العدالة دون تمييز، وأن تكون مؤسسات الدولة فوق الجماعات المسلحة والنفوذ الشخصي.
المواطن هو الضحية
في الحروب والصراعات السياسية، غالبًا ما تضيع القضية الأساسية وسط الشعارات. لكن المواطن اليمني لا يعيش على الشعارات.
هو يريد أن يعود إلى منزله دون خوف من الاعتقال، وأن يجد ابنه في المدرسة، وأن يعمل دون ابتزاز، وأن يختلف سياسيًا دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة، وأن يعرف أين يوجد قريبه إذا اعتُقل، وأن يحصل المعتقل على محاكمة عادلة وحقوق قانونية واضحة.
هذه ليست مطالب سياسية مبالغًا فيها؛ إنها حقوق أساسية.
وعندما يصبح المواطن خائفًا من التعبير عن رأيه، أو يصبح الاعتقال وسيلة لمعاقبة الخصوم وإسكات المنتقدين، فإن المشكلة لم تعد مجرد خلاف سياسي، بل تصبح قضية تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع.
معركة اليمن لم تنتهِ
ربما تغيرت أسماء القوى والفاعلين، وتبدلت خرائط النفوذ، لكن جوهر الصراع على الدولة ما زال قائمًا.
اليمن لا يحتاج إلى سلطة جديدة تستبدل سلطة أخرى، ثم تعيد إنتاج الأساليب نفسها. اليمن يحتاج إلى دولة لا يخاف فيها المواطن من الحاكم، ولا تكون فيها القوة المسلحة فوق القانون، ولا تتحول فيها المؤسسات العامة إلى أدوات للانتقام السياسي.
ولهذا فإن 26 سبتمبر تظل مناسبة لمراجعة الطريق الذي سار فيه اليمن، والسؤال عن الطريق الذي يجب أن يسلكه مستقبلًا.
هل نريد دولة تحكمها القوة، أم دولة يحكمها القانون؟
الإجابة يفترض أن تكون واضحة: الدولة التي تستحق أن يعيش من أجلها اليمنيون هي الدولة التي تحمي حقوقهم، وتصون كرامتهم، وتساوي بينهم أمام القانون.
سبتمبر في وجدان اليمنيين
قد يحاول البعض طمس رمزية 26 سبتمبر أو إعادة تفسيرها وفق مصالحه السياسية، لكن الأفكار الكبرى لا تختفي بسهولة.
فكرة الحرية لا تُعتقل، وفكرة المواطنة لا تُختطف، وحق الإنسان في الكرامة لا يسقط بتغير موازين القوى.
ولهذا، فإن الاحتفال الحقيقي بسبتمبر ليس برفع الشعارات ليوم واحد، بل بتحويل مبادئها إلى واقع: حرية، عدالة، مواطنة متساوية، دولة قانون، ورفض لكل أشكال الاستبداد والعنف السياسي.
في 26 سبتمبر، نتذكر أن اليمنيين خرجوا ذات يوم بحثًا عن مستقبل أفضل.
وبعد أكثر من ستين عامًا، ما زال السؤال قائمًا:
متى يصبح اليمن وطنًا يستطيع فيه المواطن أن يعيش حرًا، آمنًا، كريمًا، دون أن يخشى سلطة أو جماعة أو سلاحًا؟
ذلك هو التحدي الحقيقي.
وتلك هي المعركة التي لم تنتهِ بعد.
