لم تعد قضية الاعتقالات في اليمن مجرد ملف أمني مرتبط بسنوات الحرب، بل تحولت إلى واحدة من أخطر أدوات السيطرة وإخضاع المجتمع. فخلف أبواب السجون والمعتقلات، هناك صحفيون وناشطون وحقوقيون وموظفون إغاثيون ومواطنون عاديون وجدوا أنفسهم متهمين دون محاكمة عادلة، أو محتجزين في أماكن مجهولة، أو محرومين من التواصل مع أسرهم ومحاميهم.
وفي أحدث تطور، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في 26 أغسطس/آب 2026 إن سلطات الحوثيين ما زالت تحتجز ما لا يقل عن 73 موظفًا أمميًا، إلى جانب عشرات العاملين في المجتمع المدني، مشيرة إلى أن بعض المحتجزين تعرضوا للاختفاء القسري، وحُرموا من الوصول إلى المحامين والرعاية الطبية.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات. وراء كل اسم أسرة تنتظر، وأطفال لا يعرفون مصير آبائهم، وأمهات يعشن على سؤال واحد: أين أبناؤنا؟
الاعتقال بتهمة جاهزة
من أخطر ما كشفته السنوات الماضية أن الاعتقال في مناطق سيطرة الحوثيين لم يعد مرتبطًا بالضرورة بارتكاب جريمة واضحة. فقد وثقت منظمات حقوقية اعتقالات على خلفية النشاط السياسي، والعمل الصحفي، والدفاع عن حقوق الإنسان، وحتى العمل الإنساني.
وفي حالة موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، رافقت الاعتقالات حملات إعلامية تتهم العاملين بالتجسس والتآمر، وهي اتهامات قالت منظمات حقوقية إنها استُخدمت لتبرير حملة أوسع ضد المجتمع المدني والعمل الإنساني.
وهنا تكمن الخطورة: عندما يصبح الاتهام وسيلة لإثبات الجريمة، وعندما يصبح الانتماء السياسي أو النشاط الحقوقي سببًا كافيًا للاعتقال، فإن المواطن يفقد أبسط ضمانة تحميه من تعسف السلطة.
موظفو الإغاثة أصبحوا أهدافًا
الملف الأكثر إثارة للقلق هو احتجاز العاملين في المجال الإنساني.
فالأمم المتحدة أكدت في يونيو/حزيران 2026 أن 73 من موظفيها ما زالوا محتجزين تعسفًا، وأن أحد موظفيها توفي أثناء الاحتجاز، بينما لا يزال بعض المحتجزين بمعزل عن العالم الخارجي. كما أكدت أن هذه الاعتقالات قيدت بشدة قدرة الأمم المتحدة وشركائها على تقديم المساعدة لملايين اليمنيين.
وفي 23 أغسطس/آب، أُحيل ستة محتجزين إلى النيابة الجزائية المتخصصة في صنعاء، بينهم موظف أممي ومستشار وعاملون في المجال المدني، وفق ما أعلنته هيومن رايتس ووتش.
السؤال هنا ليس فقط: لماذا اعتُقل هؤلاء؟
السؤال الأهم: لماذا يُعامل العامل الإنساني كعدو؟
اليمن يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وأي تضييق على العاملين في الإغاثة لا يعاقب الموظف وحده؛ بل ينعكس على المواطن الذي ينتظر الغذاء والدواء والمساعدة.
السجن خارج القانون
المشكلة لا تتوقف عند الاعتقال.
منظمات حقوقية وثقت خلال سنوات الحرب أن أطرافًا مختلفة في اليمن مارست الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة. وتشير هيومن رايتس ووتش إلى أن الحوثيين والحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي وقوات أخرى ارتكبت انتهاكات بحق المحتجزين في مناطق سيطرتها.
لكن وجود انتهاكات من أكثر من طرف لا يعني مساواة المسؤوليات أو استخدام انتهاكات الآخرين لتبرير انتهاك جديد.
المبدأ بسيط: الاعتقال التعسفي جريمة، سواء ارتكبها الحوثي أو الحكومة أو أي قوة مسلحة أخرى.
والدولة التي تريد بناء السلام لا يمكن أن تبدأ مستقبلها بسجون خارج القانون.
الخوف الذي يمتد إلى خارج السجن
أخطر آثار الاعتقالات أنها لا تسجن الشخص وحده، بل تسجن المجتمع كله بالخوف.
عندما يرى الصحفي زميله خلف القضبان، يفكر ألف مرة قبل أن يكتب.
وعندما يرى الناشط أن منشورًا على وسائل التواصل قد يقوده إلى المعتقل، يصمت.
وعندما يخشى موظف الإغاثة أن يتحول عمله الإنساني إلى تهمة تجسس، تتراجع المساعدات.
وهكذا يصبح الصمت نتيجة طبيعية لسياسة الاعتقال.
وهذا تحديدًا ما يجعل قضية المعتقلين قضية مجتمع بأكمله، وليست قضية أفراد.
اليمن بحاجة إلى عدالة لا إلى سجون جديدة
اليمنيون لا يحتاجون إلى مزيد من المعتقلات السرية ولا إلى محاكمات سياسية ولا إلى تهم جاهزة.
هم بحاجة إلى قانون يحمي المواطن، وقضاء مستقل، ومحاكمات عادلة، وحق المعتقل في معرفة التهمة الموجهة إليه، وحقه في محامٍ، وحق أسرته في معرفة مكانه ومصيره.
ومن الضروري أن يكون الإفراج عن المعتقلين تعسفًا جزءًا أساسيًا من أي مسار سياسي أو تفاوضي جاد.
كما ينبغي إنشاء آلية مستقلة للتحقيق في حالات التعذيب والإخفاء القسري والوفيات داخل أماكن الاحتجاز، ومحاسبة المسؤولين عنها دون استثناء.
وقد دعت هيومن رايتس ووتش مؤخرًا إلى زيادة الرقابة الدولية على وضع حقوق الإنسان في اليمن وإنشاء آلية دولية مستقلة للرصد والإبلاغ عن الانتهاكات.
لا سلام مع بقاء السجون مفتوحة
السلام الحقيقي لا يبدأ بتوقيع اتفاق سياسي فقط.
السلام يبدأ عندما يستطيع المواطن أن ينتقد السلطة دون أن يختفي.
وعندما يستطيع الصحفي أن يكتب دون خوف.
وعندما يستطيع الناشط أن يدافع عن حقوق الناس دون أن يتحول إلى متهم.
وعندما يستطيع العامل الإنساني أن يقدم الغذاء والدواء دون أن يجد نفسه خلف القضبان.
أما استمرار الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري والتعذيب، فإنه يعني أن الحرب قد تتوقف يومًا، لكن عقلية الحرب ستبقى حاضرة داخل مؤسسات المجتمع.
اليمن لا يحتاج إلى سجون أكثر. اليمن يحتاج إلى دولة تحمي الإنسان، وقانون يُطبق على الجميع، وعدالة لا تعرف لونًا سياسيًا ولا جماعة مسلحة.
وأي حديث عن مستقبل اليمن دون وضع ملف المعتقلين وحقوق الإنسان في قلب التسوية، سيظل حديثًا ناقصًا عن سلام لم يصل بعد إلى أبواب السجون.
